صديق الحسيني القنوجي البخاري
40
فتح البيان في مقاصد القرآن
العمل به وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجية كالسعادات المالية وغيرها ، وكل واحدة من هذه جنس تحته أنواع لا حصر لها والكل من اللّه سبحانه فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه ، وما موصولة متضمنة لمعنى الشرط باعتبار دون الحصول ، والفاء زائدة أو شرطية ، وإليه نحا الفراء وتبعه الحوفي وأبو البقاء . ثم بيّن تلون الإنسان بعد استغراقه في بحر النعم فقال : ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ أي الشدة والأمراض والأسقام أو أي ضر كان ، والضر المرض والبلاء والحاجة والقحط وكل ما يتضرر به الإنسان فَإِلَيْهِ سبحانه لا إلى غيره تَجْئَرُونَ تتضرعون وتستغيثون وتضجون في كشفه فلا كاشف له إلا هو ، يقال جأر يجأر جؤرا إذا رفع صوته بالدعاء في تضرع . قال مجاهد : تتضرعون بالدعاء وقال السدي : تضجون بالدعاء ، وفي القاموس جأر جأرا وجؤرا بوزن غراب رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث ، والبقرة والشور صاحا والنبات طال والأرض طال نبتها . ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ أي إذا رفع عنكم ما نزل بكم من الضر إِذا فَرِيقٌ أي جماعة مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ الذي رفع الضر عنهم يُشْرِكُونَ فيجعلون منه إلها آخر من صنم أو نحوه ، إذا الأولى شرطية والثانية فجائية جوابها ، وفي الآية دليل على أن إذا الشرطية لا تكون معمولة لجوابها ، لأن ما بعد إذا الفجائية لا يعمل فيما قبلها . والآية مسوقة للتعجب من فعل هؤلاء حيث يضعون الإشراك باللّه الذي أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضر مكان الشكر له ، وهذا المعنى قد تقدم في الأنعام ويونس ، ويأتي إن شاء اللّه تعالى في سبحان . قال الزجاج : هذا خاص بمن كفر وقابل كشف الضر عنه بالجحود والكفر ، وعلى هذا فيكون من في منكم للتبعيض حيث كان الخطاب للناس جميعا والفريق هم الكفرة ، وإن كان الخطاب موجها إلى الكفار فمن للبيان ، وبه قال الزمخشري كأنه قيل إذا فريق كافر وهم أنتم . قاله السمين . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 55 إلى 60 ] لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 55 ) وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) واللام في لِيَكْفُرُوا لام كي لكي يكفروا يعني إشراكهم سبب كفرهم وقيل